أحيانا ، نحمد الله
الذي لا يحمد على مكروه سواه ، لأنه حبانا "جامعة عربية" و"نظاما
عربيا" ضعيفين ، وإلا لكنا في حرج من أمرنا ، نحن معشر الصحفيين والإعلاميين
العرب ، مع تصاعد حملة الملاحقة والمطاردة التي تتعرض لها حرية الكلمة والصورة في
دنيا العروبة ، ومن الماء إلى الماء ، تلك الحملة التي يراد لها أن تدخل طورا
جديدا ، أشد تصعيدا وتصاعدا ، مع تشكيل "المفوضية العربية للإعلام".
ما حاجتنا لمثل هذه
المفوضية ، ولماذا الآن ، وهل المقصود بها مواجهة قرار الكونغرس بـ"تجريم"
قنوات فضائية عربية بعينها ، أم أن القرار سيُتخذ ذريعةً للتضييق على حرية الصحافة
وخنق وسائل الإعلام ، عملاً بمقولة "بيدي لا بيد عمرو" ، وتحت ستارْ
كثيف من دخان المعارك "الدونكيشوتية" التي يُلوّح بها البعض - فضائيا -
ضد إسرائيل وجرائمها ، تضامناً مع القدس والأقصى ، واستنكاراً لقرار الكونغرس
المتمادي في تطاوله على حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام العربية ؟، مسبقاً
ومقدماً وبلا تحفظ نقول: أن تجربة العمل العربي المشترك في ميدان الإعلام لا
تدفعنا للتفاؤل أبداً في أمر "المفوضية" ، بل وتدعونا للقلق والحذر ،
ومن منكم ما زال يذكر "وثيقة البث الفضائي" ، يعرف بلا شك أننا مقبلون
على "مرحلة إعلامية" صعبة ، سيجري فيها تصنيف محطات إذاعية وتلفزيونية ،
كمنظمات إرهابية ، وإدراج الأقمار التي تحمل برامجها إلى الفضاء ، كـ"اقمار
حاضنة للإرهاب أو راعية له" ، وستنضاف أسماء زملاء وزميلات إلى قائمة
المطلوبين في العالم ، وستنشر صورهم على "ورق الشدّة" ، وستخصص جوائر
لمن يقطف رؤوسهم التي أينعت أمريكيا على ما يبدو ، وحان قطافها.
لم نكن ننتظر للحظة
واحدة ، أن يتصدى الوزراء العرب للقرار الأمريكي ، فذلك أبعد من قدرتنا على
التخيّل ، ومعظم هؤلاء حتى لا نقول جميعهم ، يشاطر واشنطن نظرتها للقنوات العربية
المدرجة في قوائمها السوداء ، وقد سبق للأقمار العربية أن أسقطت عن
"شارتها" محطات أدرجها الكونغرس في خانة "التحريض على الإرهاب
والكراهية" لاحقا ، كما أن قرار تشكيل "المفوضية" سبق على أية حال
، قرار الكونغرس الأخير ، الأمر الذي يعكس "ريادتنا" في كل ما من شأنه
خنق الكلمة وقمع حرية الرأي والتعبير.
وسنكون قريبا أمام
"عهد عربي إعلامي جديد" ، يجمع في وثقية مرجعية واحدة ، جميع المحظورات
والخطوط الحمراء ، سارية المفعول ، في 22 دولة عربية ، وسيجري "تعريب"
القيود المحلية على حرية الصحافة لتطال المجموعة العربية برمتها ، ودائما تحت
شعارات برّاقة من نوع: احترام سيادة الدول ووحدتها الوطنية ، وعدم التدخل في
شؤونها الداخلية واحترام رموزها إلى غير ما هنالك من "رطانة" نعرف جيدا
، ماذا تخفي وراءها وكيف تفسر في قاعات المحاكم. في مناخات "الالتقاء العربي
العميق" على قمع حرية الصحافة والإعلام ، من المنتظر أن يحتل مجلس وزراء
الإعلام العرب ، المرتبة الثانية بعد مجلس وزراء الداخلية العربية ، في قائمة
المؤسسات الأكثر فاعلية وانتظاما في عملها من بين جميع مؤسسات العمل العربي
المشترك ، وربما يتقدم عليه مع مرور الزمن... هنا ، وعلى هاتين الساحتين الهامتين
، الأمن والإعلام ، تبدو "المشتركات" و"القواسم" العربية أكبر
بكثير من قضايا الخلاف والتباعد.