قبل عقدين من الزمن
كان الإعلام العربي يعاني تخلف أجهزة الاتصال, وتخلف وسائل الطباعة, فكانت الصحف
التي تصدر بثماني صفحات تعد من الصحف الرائجة, في حين كانت بعض الصحف في العالم
تصدر بأكثر من مئة صفحة يوميا, وكانت الإذاعات العربية مشوشة يصعب الاستماع إليها
بسهولة, أو التلفزيونات المحلية فكانت لا تغطي كل مناطق القطر المعني, رغم ارتفاع
الأبراج اللاقطة فوق أسطح المنازل.
أما اليوم فإن معظم
الدول العربية تملك وسائل اتصال حديثة, قادرة على الوصول إلى أي مكان, من خلال
الأقمار الصناعية العربية وغير العربية, كما امتلكت الصحف الحكومية والأهلية مطابع
حديثة ملونة, قادرة على طبع صحيفة أو مجلة بأكثر من مئة صفحة مختلفة الحجوم.
وقد تعزز الإعلام
العربي بانتشار الفضائيات بعدد كبير جدا, فآخر الإحصاءات قدرت عدد الفضائيات
العربية بأكثر من خمسمئة محطة فضائية حكومية وخاصة مملوكة لأشخاص أو شركات خاصة.
ورغم هذا العدد
الكبير للفضائيات العربية قياسا لما كان الحال عليه قبل عقدين من الزمن, إلا أن
الفضائيات المعنية بقضايا الأمة هي أقل بقليل من المطلوب, نظرا لتعقد المشكلات في
الوطن العربي وكثرتها. أقول المعنية بقضايا الأمة العربية الملحة والتي تشغل
الجميع, في حين أن الفضائيات التي تميل إلى التخصص العام صارت تعد بالمئات, ولا
سيما تلك التي تخاطب الحواس وتثير المشاعر الآنية, أي التي تعنى بمثيرات الجنس
والشهوة والعنف الجسدي والنفسي.
والأمر الأكثر أهمية
يكمن في المضمون والمعالجات وليس في الكثرة العددية, وأخص بالذكر المضمون السياسي
والاجتماعي والاقتصادي. وقد يقول قائل ان كل الفضائيات العامة والمملوكة للدولة
تعالج هذه الموضوعات, ولكن ما هو مضمونها, وفي أي اتجاه تصب تلك المعالجات. أهي
لصالح الشركات الخاصة والقطاع الخاص في مجال الاقتصاد.. أم هي في صالح الحكام مهما
كان حكمهم.. أم في صالح الكيانات الدينية أو المذهبية أو القبلية.
والأمر الآخر الأكثر
أهمية هو مصدر الخبر وسرعة إيصاله إلى الأجهزة الإعلامية المحلية والأجنبية. لقد
اعتدنا على نمط فرضته الحكومات العربية, وهو أن الناطق الإعلامي للحكومة المعنية
يطلع على الصحافيين في الوقت الذي يريده هو ليقول ما يشاء وبالحجم المخول به أو
المساحة المسموح له أن يتحرك فيها, ولا تتجاوز أجوبته المساحة الممنوحة له
بالحديث, وبالتالي يسعى كل صحافي للتفتيش عن مصادر أخرى, ليجيب على الأسئلة التي
يعتقد ضرورة الإجابة عليها.
وفي كثير من القضايا
المهمة في أقطار الوطن العربي, نسمع بها من مصادر أجنبية, ومن ثم تلهث الوسائل
الإعلامية العربية على التفاصيل. وعلى سبيل المثال فإن جريمة اغتصاب النساء
العراقيات وتعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب, تم كشفها من وسائل الإعلام الأمريكية
وكذلك الحال في جريمة قتل الفتاة بعد اغتصابها في منطقة سلمان باك جنوبي بغداد.
أن هذا الأمر يرتبط
بحرية إيصال المعلومات وسرعة وصولها إلى وسائل الإعلام المحلية الوطنية الحكومية
منها أو الأهلية, وفي كثير من الأحيان يتم منح وسائل الإعلام الأجنبية أخبارا مهمة
لم تمنحها للوسائل المحلية, اعتقادا من بعض المسؤولين أن هذا الفعل يمكن الدولة
المعنية كسب ثقة الوسيلة الإعلامية الأجنبية, وجعلها تنشر ما يصب في خانة نظام
الحكم المعني. وهذا الاعتقاد غير صحيح, إذ أن وسائل الإعلام الأجنبية الحرة, لا
ترضخ للإغراءات أو للابتزاز, وإذا قبلت نشر إعلان دعائي فإنها تنشره في صفحة
الإعلانات أو زاوية الأخبار الدعائية.
لقد حاول الكثير من
وزارات الإعلام العربية حجز صفحات في الصحف الأجنبية ونشر مواد إعلامية على شكل
إعلان تجاري قلما حازت على قراءة احد من الأجانب, لأن معظم المواد الإعلامية -
الإعلانية, هي من قبيل المديح وتعداد انجازات قامت بها حكومة البلد المعني, ومثل
هذه المواد لا تعني القارئ الأجنبي في شيء, لأنه أفترض أن حكومات الدول من واجبها
عمل مثل هذه الانجازات, والا يحكم عليها بالتخلف والتقصير والفساد. وقلما وجدت في
الصفحات الإعلانية المنشورة في وسائل الإعلام الأجنبية ترويجا لبضاعة أو منتج مهم
يحتاجه الفرد الأوروبي أو الأمريكي.
فمهمة الإعلان
الدعائي هو دعاية للحاكم وأركان حكومته, وليس ترويجا اقتصاديا أو رد تهمة وقعت على
المجتمعات العربية.
وعودة إلى مصدر الخبر
وسرعة إيصاله, فإن الوزارات في البلدان العربية, لديها مكاتب إعلامية أو مكاتب
للعلاقات العامة, مهمتها متابعة نشاطات الوزير, وهي في معظمها نشاطات بروتوكولية
لا تهم القارئ أو المشاهد. وعندما يلتقط الصحافي خبرا يخص خللا في دائرة أو مؤسسة
تابعة لوزارة, فإنه لا يجد من يغني ذاك الخبر بقدر من التفصيلات لاطلاع الرأي
العام على ما يجري.
وفي كثير من الأحيان
تحاول مكاتب الاعلام في الوزارات استمالة صحافي معين من صحيفة أو وكالة أنباء أو
إذاعة أو تلفاز, أقول استمالة بمعاملة لطيفة, أن لم أقل شراءه بالمال أو بالهدايا.
ليكون صوتا لتلك الوزارة في الوسيلة الإعلامية المعنية. ومثل هذا العمل لا يدخل في
إطار العمل الإعلامي الذي ينشد الوصول إلى الحقيقة, التي تهم مصالح أبناء الشعب
ومن خلال تجربة خاصة, فإن بعض الإعلاميين يستجيبون لاستمالة مسؤولي مكاتب الإعلام
أو العلاقات العامة في الوزارات المعنية, إما لقلة الخبرة لديهم, أو لاقتناعهم
بصواب ما يقوم به الوزير المعني, أو لحاجة الإعلامي لما يقدم له من هبات وهدايا.
ومهما كانت حصانة
الإعلامي, وتمسكه بأخلاقيات المهنة, فإن العامل المادي يظل مهما وله تأثيرات سلبية
على سلوك الإعلامي, وعلية فإن المؤسسات الإعلامية الحكومية تعامل الإعلاميين ماليا
مثلهم مثل الموظفين العاديين في مؤسسات الدولة.
في حين أن مهمة
الإعلامي مهمة خطيرة بكل الاتجاهات, ولا بد أن يكون الإعلامي صافي الذهن, مطمئنا
على سلامة عائلته وراحتهم ماديا ونفسيا. وفي هذا المجال لنا أن نلحظ هذا الانتقال
الواسع للإعلاميين من مؤسسات الدولة إلى الفضائيات العربية الخاصة أو الحكومية في
دول الخليج العربي, التي تمنح مرتبات عالية.
والأمر نفسه ينطبق
على الكتاب وأصحاب الرأي الذين يكتبون دراسات ومقالات وزوايا وتعليقات, فمعظمهم
يمارس هذه المهنة إضافة إلى مهنة أخرى, وقلما نجد وسيلة إعلامية تملك مركزا
للدراسات والبحوث يرفد الوسيلة الإعلامية بمواد مدروسة وذات منهجية علمية صادقة,
بعيدا عن روح الإثارة, أو الكلام غير المسؤول. فكم من الظواهر تبرز في المجتمعات
العربية, فيلمسها الإعلاميون من الخارج ومن القشور, ولا توجد دراسات معمقة ومسبقة
تؤشر خطورة الظاهرة. ومنذ زمن اسمع عن انتشار تعاطي الأردنيين للمخدرات, لكن
المسؤولين عن جهاز مكافحة المخدرات كانوا يطمئنون الرأي العام, بأن الأردن خال من
المخدرات, بل هو ممر لها إلى الأقطار المجاورة, لكن الروايات الشفهية والمكتوبة
أحيانا تؤشر تعاطي كثيرا من الناس هذه المادة السامة, حتى أن المدنيين يواصلون
إدمانهم وهم في السجون, وعلية فإن هذه الحالة أو الظاهرة تحتاج إلى دراسات
ومعالجات وليس إلى نصائح فقط. وقس على ذلك العديد من الحالات أن لم نسمها ظواهر
مثل : الغش في الامتحانات المدرسية والجامعية وصار من لا يمارس الغش في
الامتحانات, يوصف بالجبان (والأهبل), كما ان قاعات الامتحانات صارت مجالا للمساومة
والتوصيات والتهديدات والإغراءات من قبل ذوي الغرض السيئ أو صاحب المصلحة الفردية
الخاصة. وكذلك الحال في حالات العنف الأسري أو العنف في الجامعات, فهذه الحالات
والظواهر هي من صلب اهتمامات وسائل الإعلام الوطنية, قبل وسائل الإعلام الأجنبية,
إذ ليس من المعقول أن تنبري وسيلة إعلام أجنبية مثل (C.B.B)
البريطانية لمعالجة قضايا طلابية محلية, أو موضوعات اجتماعية أخرى, في حين تتجاهل
وسائل الإعلام الوطنية هذه القضايا, إما بسبب الإهمال أو الجهل بأهميتها وصلتها
بأبناء الشعب, أو خوفا من السلطات الأمنية المختصة, بالمفهوم القديم الذي عفى عنه
الدهر, اذ ليس كل ما يعارض الحكومة ومؤسساتها وسياساتها هو عدو ولا بد من محاربته
أو منع الأضواء عنه أو عن نشاطاته.
ولا بد من التمييز
بين الدولة والحكم, فالدولة هي الجغرافية والشعب والثقافة والتاريخ, أما الحكم فهو
نظام سياسي يدير شؤون المواطنين, فالدولة محط احترام واعتزاز لكل أبناء الوطن,
وعلم الدولة راية مقدسة يؤدى لها التحية كل صباح, أما مؤسسات الحكم فهي من أناس تم
اختيارهم اما حسب الكفاءة إن كان هناك عدل ومساواة, أو على أساس المحسوبية والوجاهة
والوساطة والمنفعة المتبادلة, ووسائل الإعلام التي تنتمي للدولة, تدافع عنها وعن
سيادتها واستقلالها, وليس من الواجبات أن تدافع عن المسؤولين في الحكومة, أو
تمدحهم على قيامهم بواجباتهم التي يتقاضون عليها أجورا عالية.
وما بين الدولة
وأبناء الشعب, ظهرت منظمات المجتمع المدني, التي تمت في ظل عجز الحكومات عن أداء
واجبها, أو وجدت لتعزيز الرفاه الاجتماعي.
الجمعيات والمنظمات
والنقابات تقدم المساعدة على نحو ذاتي وتدافع عن حقوق الإنسان والأقليات والمهن
وفئات المجتمع مثل النساء والأطفال. فهذه أولى بالتغطية الإعلامية, بهدف تشجيعها
أولا ومن ثم تشجيع الآخرين على الانتماء إليها وإنشاء منظمات أخرى, لتعزيز الولاء
الوطني للدولة- الوطن, وصهر غالبية أبناء الشعب في إطار منظم يخدم المجتمع, وينمي
الولاء الوطني, ويزيد من رصيد الوطنية الحقة.
إن حرية الإعلام
تعبير حقيقي عن روح الديمقراطية ألحقة, التي تعنى بالحوار واحترام الآخر والاعتراف
به, لا تهميشه وإبعاده عن فعاليات المجتمع, أما الانتخابات فليست إلا إحد أشكال
الديمقراطية بهدف تداول السلطة.