من الغريب ان الجسم الصحفي اكتفى بصب جام غضبه على قرار لجنة التوجيه الوطني النيابية لابقائها على نص الفقرة (و) من المادة (30) التي تتيح حبس الصحفيين ، بينما لم يوجه احد سهام نقده للحكومة التي ارسلت اصلاً تعديلات هذا القانون لمجلس النواب حاملاً كل هذه البنود والفقرات التي تعيق العمل الصحفي وتعيدنا الى ما قبل عام (89) نظراً لما تضمنته من جواز حبس وتوقيف الصحفي سنداً لذات المادة وتجيز حبسه لسنوات عديدة اذا لم يلتزم بنص فقرة واحدة من قانون المطبوعات المعدل الذي ارسلته الحكومة والتي ستفرض على الصحفي دفع مبالغ بالآلاف لمجرد انه لم يقم بتزويد الحكومة بميزانية الجريدة ، او لمجرد ان صدر بحقه قرار تجريم بانه ساهم في اثارة الفتنة او زرع الاحقاد ، وهي كما قلت سابقاً مواد مطاطة ويمكن ان تجرم صحفيين قد يكونون اجتهدوا في النص اذا قاموا بنشر بيانات قد يشتم منها انها اثارت فتنة او زرعت حقداً ، وهو اجتهاد يعود للقاضي.
لذلك فان القادم من الايام يعني ان الصحفي سيجد نفسه خلف قضبان السجن لعجزه عن دفع الغرامات المالية الكبيرة اذا ما علمنا ان النص الجديد للقانون المعدل يفرض على القاضي سرعة اصدار الحكم خلال شهرين سنداً لتعديل المادة (41) في القانون الاصلي ، وهو ما يعني ان قرار التنفيذ سيصدر على الصحفي بدفع المبلغ كاملاً دون "تقسيط المبلغ" اذا صدر بحقه قرار قطعي بعد اقراره من محكمة الاستئناف ، وهو امر لم يركز عليه غالبية الزملاء الذين يتبنون الدفع باتجاه الغاء حبس وتوقيف الصحفيين.
لذلك ارى ان الحكومة ربما تكون تعمدت وضع عراقيل كثيرة في هذا القانون ، كي تشغلنا بالنضال في سبيل الغاء عقوبة الحبس عن انشغالنا في المطالبة بتخفيف العقوبات المالية الهائلة التي ستصب اولاً واخيراً باتجاه خفض سقف الحريات وانحباس الكلمة الحرة في صدور الصحفيين ، خوفاً من ادانتهم باحدى مواد وفقرات القانون الجديد.
اذن فالمفترض اولاً ان نتنبه لمخاطر اخرى وضعتها الحكومة في هذا القانون ، لا ان يتم التركيز فقط على قضايا الحبس وان كانت من الاهمية بمكان ، لان القادم من الايام سيشهد ان المواد التي وردت في العقوبات المالية الضخمة هي التي ستساهم في وضع العراقيل امام الصحافة الحرة في ظل حجب المعلومة والترصد المسبق لعمل الصحفي.
يبقى ان نقول أننا نفاجأ احياناً بقادة اعلاميين بدأوا يكيلون المديح لهذا القانون ويقومون بالتركيز على السلبية الوحيدة فيه "من وجهة نظرهم طبعاً" بانها تتمثل بالغاء عقوبة الحبس او التوقيف ، وهذا ما لاحظناه مؤخراً من خلال تصريحاتهم ، وهو ما تريده الحكومة التي سنسجل لها انها كانت من قدم لمجلس النواب اسوأ قانون مطبوعات على الاطلاق ، لذلك فتبرير الحكومة ان الكرة ليست في ملعبها الآن وانها في ملعب النواب ، لا يعفيها من المسؤولية ، اذ كان من المفترض ان تقوم هي بارسال قانون عصري يوسع هامش الحريات الصحفية ، لا ان ترسل مع كل فقرة من فقراته الغاماً ومعوقات ان استطعنا الغاء بعضها فلن نستطيع ازالة الاخريات.
ملامح المعركة المقبلة التي يخوضها الصحفيون مع النواب بدأت ، واجزم ان تركيزنا فقط على الغاء بند "الحبس" سيجرنا الى ويلات لا حصر لها عندما نصطدم مستقبلاً بالغرامات المالية الهائلة.
وللحديث بقية.
هــاشم الخــالدي
hashem2007@yahoo.com |